ابن حزم

455

الاحكام

ما أوحى إليه من القرآن ، فقر المتلو مثبوتا في المصاحف والصلوات ، وقرئ سائر الوحي منقولا محفوظا معمولا به ، كسائر كلامه الذي هو وحي فقط ، ولسنا ننكر رفع آيات في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدور جملة ، لقوله تعالى : * ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ) * ولا نجيز ذلك بعد موته لقوله تعالى : * ( نأت بخير منها أو مثلها ) * فإنما اشترط الله تعالى لنا رفعها معلقا بأن يأتينا بخير منها أو مثلها ، وهذا ما لا سبيل إليه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لان الاتيان بآية بعده لا سبيل إليه ، إذ قد انقطع الوحي بموته ، ومن أجاز ذلك فقد أجاز كون النبوة بعده ، ومن أجاز ذلك فقد كفر وحل دمه وماله ، ولا سبيل إلى أن ينسى عليه السلام شئ من القرآن قبل أن يبلغه ، فإذا بلغه وحفظه للناس فلسنا ننكر أن ينساه عليه السلام ، لأنه بعد محفوظ مثبت ، وقد جاء مثل ذلك في خبر صحيح ، أنه سمع رجلا يتلو القرآن فدعا له بالرحمة ، وأخبر عليه السلام أنه أذكره آية كان نسيها ، ولأنه قد بلغه كما أمر . كما حدثنا عبد الله بن يوسف ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو كريب قالا : ثنا أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقرأ من الليل فقال : رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا ورواه عبدة وأبو معاوية عن هشام : أذكرني آية كنت أنسيتها . فصل هل يجوز نسخ الناسخ قال أبو محمد : ولا فرق بين أن ينسخ تعالى حكما بغيره ، وبين أن ينسخ ذلك الثاني بثالث ، وذلك الثالث برابع ، وهكذا كل ما زاد كل ذلك ممكن إذا وجد برهان على صحته ، وقد جاء في بعض الآثار ، أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال ، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال ، فكان عاشوراء فرضا ، ثم نسخ فرضه بصيام رمضان ، بشرط أن من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا وأفطر هو ، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصيام على الحاضر المطيق الصحيح البالغ العاقل ، وكان من نام لا يحل له الاكل ولا الوطئ ، ثم نسخ ذلك بإباحة كل ذلك في الليل والحظر لصيام الليل